لو سألنا معظم دارسي الرياضيات عن إعطاء تعريف دقيق للرياضيات أو أحد
فروعها لكان ذلك أمرا مستعصيا نظرا لاتساع هذا العلم و تطور فروعه
المتعددة، حيث أصبحنا اليوم نشتغل بالرياضيات و نغض الطرف عن فهم حقيقتها و
ماهيتها بشكل دقيق و واضح في الذهن، نستعمل الرموز و القواعد الرياضية
بشكل آلي دون التفكر في جوهر المفاهيم و تصورها، مما يؤدي إلى قصور في
الفهم كتحصيل حاصل، ذلك أن فهم الشيء فرع عن تصوره.
فما معنى الرياضيات قديما و حديثا ؟ و ما مختلف فروعها الرئيسية ؟ و هل من تطبيقات لهذا العلم في حياتنا اليومية ؟
تُعَرف الرياضيات في كتب مُصنفي العلوم بأنها العلوم الباحثة في أمور يصح تَجَرُّدها عن المادة، في الذهن فقط، أي أنها علم ينطلق من واقعنا المادي ليَجْرد لنا مفاهيم نظرية معينة بعد أن كانت واقعية و من ثَم تجريدها في الفكر و الذهن البشري لدراستها بكل استقلالية عن الواقع، ثم الرجوع بها إلى واقع التطبيق العملي، هذه هي الرياضيات باختصار. و قد سُميت كذلك لكونها نمطا من التفكير الذي يرتاض به العقل و الفكر المشتغل به.
و قديما كانت الرياضيات تنحصر في أربعة أقسام و هي : الهندسة، الهيئة، العدد و الموسيقا ! و قد عُنيت قديما بالتركيز على قسمين رئيسيين :
1) العلوم العددية : يقول ابن خلدون في مقدمته : "أولها الأرتماطيقي
Arithmetics أو علم الحسابيات، و هو معرفة خواص الأعداد من حيث التأليف.. و
هذا الفن أول أجزاء التعليم و أثبتها و يدخل في براهين الحساب ".. و تدخل
فيه مختلف فروع الحساب ك"حساب الهواء" أي الحساب الذهني، و الذي يتم في
الخيال بلا كتابة، و قد كان فيه نفع كبير للتجار في الأسفار و لأهل السوق
من العُوّان الذين لا يعرفون الكتابة أصلا و قد صُنفت فيه عدة تآليف لخصت
مختلف التقنيات. و منه أيضا حساب الفرائض الذي يدرس قسمة التركات في
المواريث، و علم حساب الوفْق : أي دراسة المربعات السحرية و طرق ملءها و
صناعتها و غير ذلك..
2) العلوم الهندسية : تسمى باليونانية : جومطريا، و هي صناعة المساحة و هي كلمة فارسية مُعرّبة و أصلها : "أندازه" أي حساب المقادير، إما ببعد واحد في المستقيم أو ببعدين في المستوى أو بثلاثة أبعاد في الفضاء..
أما في التقسيم العام الحديث للرياضيات فيمكن تقسيمها إلى ثلاثة فروع، جَبْر، تحليل و هندسة..
الجَبْر : يُعنى عموما بدراسة الرموز الرياضية و قواعد الاشتغال بها، و ينقسم إلى عدة أقسام كالجبر المجرد الذي يعالج تجريد النتائج المعروفة بالنسبة للأعداد إلى بُنَى جبرية أكثر شمولا كالزُّمَر و الحلقات و الحقول.. أو الجبر الخطي الذي يدرس الفضاءات المتجهية و التطبيقات بينها.. و يتميز الجبر بتقديمه قيم دقيقة للكميات المدروسة مع استبعاد القيم التقريبية..
التحليل : على عكس الجبر، يتميز بمفهوم التقارب الذي ينبني على مفهوم النهاية، حيث ندرس اقتراب مقدار من مقدار عند تغير متغير ما، و من فروعه التحليل الحقيقي و التحليل العُقدي (المُركّب) و التحليل الرقمي الذي يبحث في خوارزميات لتقريب المقادير و من ثم برمجتها للاستفادة منها رقميا على الحواسيب.. أو الاحتمالات الذي يدرس الظواهر العشوائية و حساب نسبة الحظ لحصول حدث معين، و هو علم من أهم فروع الرياضيات حاليا لتطبيقاته المتعددة في الاقتصاد و التمويل و الإحصاء و المعلوميات.. و من الطرفة أن تجد من يربط علم الاحتمالات بعلم الغيب !
من فروع التحليل أيضا نجد الطُّبولوجيا التي تُعنى بدراسة الأمكنة و الخصائص الرياضية الثابتة تحت تأثير تشوهات ثنائية الاستمرار، مثل شد ورقة دون تمزيقها، أي الخصائص التي لا تتغير عند التحول من فضاء إلى آخر. ففي الطبولوجيا لا نفرق بين الكرة و المكعب، و من باب الطرفة يقال أن متخصص الطبولوجيا لا يميز بين فنجان القهوة و قطعة من الكعك لأن لكل منهما ثقب واحد فقط، و بلغة الرياضيات نقول أنهما متشاكلان طبولوجيا.. و هناك دراسات حديثة تبحث في تفسير الرؤى و الأحلام بالطبولوجيا لاعتماد التشاكل بين الأشياء في المنام و معانيها في واقع اليقظة..
و رغم تعدد فروع الرياضيات التي سقنا أهمها بعد عجزنا عن تطويقها بالكلية
لتشعبها و تعددها و اختلاف مواضيع دراسة كل قسم منها على حدة، فالرياضيات
كالجسد الواحد، و لا يخفى على الدارس المتخصص صلة الرحم و يد التعاون
القائمة بين مختلف الفروع و التداخل و التمفصل الحاصل بينها، لدرجة أننا
نجد اليوم فروعا من قبيل الهندسة الجبرية أو الطبولوجيا الجبرية أو الهندسة
التحليلية..
و بغض النظر عن استقلالية علم الرياضيات عن باقي العلوم في مقابل حاجتها الملحة إليه، فهو حاضر بشكل شبه كلي في حياتنا اليومية و حيثما وليتَ وجهك فثمة جانب خفي من الرياضيات، و كما هو معلوم فالرياضيات أداة فعالة لتنمية الحس النقدي و الحدس و التفكير المنطقي و الدقة و الصرامة العلمية، و من حسناته تجاه باقي العلوم أن وفر لها لغة فعالة و أدوات علمية تسهيلية، كما يسر للإنسان تطوير التكنولوجيات التي نستعملها يوميا في العصر الراهن، حيث مكنت الرياضيات من نمذجة محرك السيارة و تشفير البطاقة البنكية و إنشاء القناطر و الطائرات و الكاميرات و الهواتف الذكية... كما أتاحت الفرصة للحد من الكوارث الطبيعية عن طريق دراسة أحوال الطقس و الزلازل..
إضافة لذلك يمكننا جرد بعض مجالات تطبيق مختلف فروع الرياضيات :
الجبر و نظرية الأعداد : التشفير في أنظمة الأمن المعلوماتي و البطاقات البنكية..
التحليل الدّالّي : ميكانيك الكم..
الاحتمالات و الإحصاء : التمويل و الاقتصاد و الطب..
المعادلات التفاضلية، العادية و الجزئية : البيولوجيا و الميكانيك و الطب..
التحليل الرقمي و الحساب العلمي : نَمْذجة الظواهر الطبيعية و الفيزيائية..
...
و أخيرا حتى لا نطيل، و رغم كل ما يثار من الجدل حول علم الرياضيات فهو يبقى "الملك المتربع على عرش مملكة العلوم"..
فما معنى الرياضيات قديما و حديثا ؟ و ما مختلف فروعها الرئيسية ؟ و هل من تطبيقات لهذا العلم في حياتنا اليومية ؟
تُعَرف الرياضيات في كتب مُصنفي العلوم بأنها العلوم الباحثة في أمور يصح تَجَرُّدها عن المادة، في الذهن فقط، أي أنها علم ينطلق من واقعنا المادي ليَجْرد لنا مفاهيم نظرية معينة بعد أن كانت واقعية و من ثَم تجريدها في الفكر و الذهن البشري لدراستها بكل استقلالية عن الواقع، ثم الرجوع بها إلى واقع التطبيق العملي، هذه هي الرياضيات باختصار. و قد سُميت كذلك لكونها نمطا من التفكير الذي يرتاض به العقل و الفكر المشتغل به.
و قديما كانت الرياضيات تنحصر في أربعة أقسام و هي : الهندسة، الهيئة، العدد و الموسيقا ! و قد عُنيت قديما بالتركيز على قسمين رئيسيين :
| في الطبولوجيا لا نفرق بين الكرة و المكعب، و من باب الطرفة يقال أن متخصص الطبولوجيا لا يميز بين فنجان القهوة و قطعة من الكعك لأن لكل منهما ثقب واحد، و بلغة الرياضيات نقول أنهما متشاكلان طبولوجيا.. |
2) العلوم الهندسية : تسمى باليونانية : جومطريا، و هي صناعة المساحة و هي كلمة فارسية مُعرّبة و أصلها : "أندازه" أي حساب المقادير، إما ببعد واحد في المستقيم أو ببعدين في المستوى أو بثلاثة أبعاد في الفضاء..
أما في التقسيم العام الحديث للرياضيات فيمكن تقسيمها إلى ثلاثة فروع، جَبْر، تحليل و هندسة..
الجَبْر : يُعنى عموما بدراسة الرموز الرياضية و قواعد الاشتغال بها، و ينقسم إلى عدة أقسام كالجبر المجرد الذي يعالج تجريد النتائج المعروفة بالنسبة للأعداد إلى بُنَى جبرية أكثر شمولا كالزُّمَر و الحلقات و الحقول.. أو الجبر الخطي الذي يدرس الفضاءات المتجهية و التطبيقات بينها.. و يتميز الجبر بتقديمه قيم دقيقة للكميات المدروسة مع استبعاد القيم التقريبية..
التحليل : على عكس الجبر، يتميز بمفهوم التقارب الذي ينبني على مفهوم النهاية، حيث ندرس اقتراب مقدار من مقدار عند تغير متغير ما، و من فروعه التحليل الحقيقي و التحليل العُقدي (المُركّب) و التحليل الرقمي الذي يبحث في خوارزميات لتقريب المقادير و من ثم برمجتها للاستفادة منها رقميا على الحواسيب.. أو الاحتمالات الذي يدرس الظواهر العشوائية و حساب نسبة الحظ لحصول حدث معين، و هو علم من أهم فروع الرياضيات حاليا لتطبيقاته المتعددة في الاقتصاد و التمويل و الإحصاء و المعلوميات.. و من الطرفة أن تجد من يربط علم الاحتمالات بعلم الغيب !
من فروع التحليل أيضا نجد الطُّبولوجيا التي تُعنى بدراسة الأمكنة و الخصائص الرياضية الثابتة تحت تأثير تشوهات ثنائية الاستمرار، مثل شد ورقة دون تمزيقها، أي الخصائص التي لا تتغير عند التحول من فضاء إلى آخر. ففي الطبولوجيا لا نفرق بين الكرة و المكعب، و من باب الطرفة يقال أن متخصص الطبولوجيا لا يميز بين فنجان القهوة و قطعة من الكعك لأن لكل منهما ثقب واحد فقط، و بلغة الرياضيات نقول أنهما متشاكلان طبولوجيا.. و هناك دراسات حديثة تبحث في تفسير الرؤى و الأحلام بالطبولوجيا لاعتماد التشاكل بين الأشياء في المنام و معانيها في واقع اليقظة..
الهندسة : بالإضافة للتعريف السابق يمكن القول -إلى حد ما- بأن الهندسة و
الجبر وجهان لعملة واحدة، و كما تقول عالمة الرياضيات الألمانية "صوفي
جيرمان" : "ما الجبر سوى هندسة مكتوبة، و ما الهندسة سوى جبر مرسوم".. و
حاليا تضم الهندسة عدة فروع كالهندسة الإقليدية أي الهندسة المستوية، و
الهندسة اللاإقليدية كهندسة ريمان و هندسة لوباتشوفسكي، أي الهندسة فوق سطح
كرة أو داخلها، حيث تتغير معظم خصائص الهندسة الكلاسيكية لاشتغالهما
بمسلمات أقل، أو الهندسة التفاضلية التي تعمم الحساب التفاضلي لفضاءات تشبه
ميكروسكوبيا الفضاء الإقليدي تسمى Manifolds..
| بغض النظر عن استقلالية علم الرياضيات عن باقي العلوم في مقابل حاجتها الملحة إليه، فهو حاضر بشكل شبه كلي في حياتنا اليومية و حيثما وليتَ وجهك فثمة جانب خفي من الرياضيات.. |
و بغض النظر عن استقلالية علم الرياضيات عن باقي العلوم في مقابل حاجتها الملحة إليه، فهو حاضر بشكل شبه كلي في حياتنا اليومية و حيثما وليتَ وجهك فثمة جانب خفي من الرياضيات، و كما هو معلوم فالرياضيات أداة فعالة لتنمية الحس النقدي و الحدس و التفكير المنطقي و الدقة و الصرامة العلمية، و من حسناته تجاه باقي العلوم أن وفر لها لغة فعالة و أدوات علمية تسهيلية، كما يسر للإنسان تطوير التكنولوجيات التي نستعملها يوميا في العصر الراهن، حيث مكنت الرياضيات من نمذجة محرك السيارة و تشفير البطاقة البنكية و إنشاء القناطر و الطائرات و الكاميرات و الهواتف الذكية... كما أتاحت الفرصة للحد من الكوارث الطبيعية عن طريق دراسة أحوال الطقس و الزلازل..
إضافة لذلك يمكننا جرد بعض مجالات تطبيق مختلف فروع الرياضيات :
الجبر و نظرية الأعداد : التشفير في أنظمة الأمن المعلوماتي و البطاقات البنكية..
التحليل الدّالّي : ميكانيك الكم..
الاحتمالات و الإحصاء : التمويل و الاقتصاد و الطب..
المعادلات التفاضلية، العادية و الجزئية : البيولوجيا و الميكانيك و الطب..
التحليل الرقمي و الحساب العلمي : نَمْذجة الظواهر الطبيعية و الفيزيائية..
...
و أخيرا حتى لا نطيل، و رغم كل ما يثار من الجدل حول علم الرياضيات فهو يبقى "الملك المتربع على عرش مملكة العلوم"..

أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذف